مهنة اسمها “البِعارة”

كتبهاهيثم ناصر ، في 26 تشرين الأول 2008 الساعة: 02:17 ص

 
 

 

 

 

فإن وجود ما يماثلها في الصحافة والسياسة والثقافة يمكن رصده بسهولة، لأن بعاري السياسة والصحافة والثقافة يبحثون أيضاً عما تبقى وما أخطأته أصابع القاطفين.

والبعارة هي النقيض للقطفة الأولى، في الإبداع قد نجد صحفاً تعيش على مثل هذه المهنة. وأحياناً نصادف مثقفين أو متثاقفين، بمعنى أدق يعيشون على زؤان الثقافة إذا كانت هناك غرابيل محكمة الثقوب، لا يختلط حابل قمحها بنابل زؤانها وحصاها.

وقد وفرت وسائل الاتصال ومنها الانترنت فرصة كبرى للبعارة، وبإمكان أي شخص أن يحشد في خمس دقائق فقط جملة من المعلومات عن قضية أو شخصية عامة، لكن الربط والنسق لهما حكاية أخرى، غالباً ما لا يظفر بها البعارون.

ورغم كل ما يقال عن حقوق الملكية والتأليف فإن الانتهاكات مستمرة، والسطو في ذروته لكنه سطو من النوع الناعم أو المتنكر الذي يلبس لكل حالة لبوسها.

وما قاله الشاعر الراحل خليل حاوي الذي اصطاد قلبه ببندقية صيد عشية اجتياح بيروت يصح جملة وتفصيلاً على ما نعنيه بالبعارة.

يقول إن الفكرة تولد بغياً ثم تقضي العمر في لفق البكارة، ما دام هناك تسويق لا ينقطع للأفكار حتى لو كانت مجرد ثمار ناشفة منسية على ظلال الشجر.

إن ما بين العبارة والبعارة قرابة تتجاوز تشابه الحروف، فثمة عبارات مبتكرة ينتجها وعي أصيل ومفارق للسائد، لكن البعارة هي عكس ذلك تماماً، فهي إفقار للمعنى وإعادة إنتاج شاحبة وهزيلة لفكرة ما، وهذا ما تعاني منه الآن الصحافة والثقافة في العالم العربي، فالأوتار ارتخت ومنها ما انقطع لفرط العزف المتكرر.

فما إن تولد فكرة بكر حتى تتحول الى بغي بعد أيام فقط، بعكس ما قال الراحل حاوي، لأن الزمن تبدل، والحدود حذفت بين النقائض وأصبح كل شيء قابلاً لأن يحل مكان شيء آخر حتى لو كان مضاداً له.

والسبب ليس فائض الحرية كما يتوهم البعض إنه فائض الفوضى، وغياب الكوابح الذاتية والموضوعية، فمن أكثر الظواهر الإنسانية عرضة للانقراض الآن، الخجل، وهو سمة الآدمي وامتيازه، ولولاه لما تغير التاريخ منذ أول كهف.

ولو يكتفي البعارون بنصيبهم من المنسي تحت الأشجار المثمرة والمثقلة بالعناقيد لهان الأمر، لكنهم يتطلعون الى ما هو أبعد من أي استحقاق.

وحين نقرأ أو نشاهد بعض الحوارات المتلفزة أو عبر الصحف نشعر بأن هناك من الناس من يراهنون على غسيل الذاكرات إضافة الى غسيل الضمائر والأموال.

بحيث ينسى أحدهم ما قاله أو كتبه قبل أربع وعشرين ساعة فقط.

لقد عرف العرب القدماء مهنة الشطار وكذلك مهنة العيّارين، لكن البعارة مهنة من طراز آخر غير مسبوق، ولها خبراء وفقهاء ومشرّعون.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر