انهم يقتلون مرتين - خيري منصور

كتبهاهيثم ناصر ، في 6 تشرين الأول 2008 الساعة: 06:13 ص


قرأت ذات يوم مسرحية عن شاعر أنكره ذووه، ولأنه سبق زمانه دفع الثمن الذي غالباً ما يدفعه أمثاله، وهو النبذ، والإقصاء، لكن ما أن رحل هذا الشاعر عن العالم حتى بدأ النقاد والقراء يكتشفون عبقريته، ثم قرروا أن يعيدوا إليه الاعتبار.


نصبوا له تمثالاً في ساحة المدينة، وبدأ الناس بدءاً من أرملته يتنافسون على سرد الحكايات عنه، وعن أدوارهم في رعايته واكتشاف استثنائيته، وانتهى الأمر إلى أن ظفرت أرملته بثروة لم يكن يحلم بواحد بالألف منها، ولم يبق قريب أو جار إلا واستفاد من غياب هذا المبدع المنكود الذي لم يعد إليه الاعتبار الذي يستحقه إلا بعد فوات الأوان.


ولأن حدثاً كهذا لا يكفي لإنجاز دراما مسرحية، فقد أعاد المؤلف عبر الخيال بطله إلى الحياة، وما أن أطل على بيته ورآه الجيران والأهل حتى بدأت المكائد لإعادة دفنه، لأن بقاءه على قيد الحياة يحرم كل من ادعوا أنهم تبنوه ورعوه من الثروة التي حصلوا عليها.


وباختصار كان لا بد من قتله، بحيث مات مرتين.


وهذه ليست المرة الوحيدة التي يقتل فيها الموتى كي يواصلوا الموت لأنه الضمانة الوحيدة لمن ورثوهم وادعوهم، وأعادوا إنتاجهم بما يلائم الرغائب والأحلام.


في قصته الشهيرة “الشهداء يعودون هذا الأسبوع” يتخيل الكاتب الجزائري الطاهر وطار شهداء بلاده وقد عادوا إلى الحياة ليواجهوا ما واجهه ذلك الشاعر المنكود وهو إعادة القتل.


إن التعقيد المزمن الذي تمتاز به طبائعنا البشرية، لا يعالج بالوسائل التقليدية أو بالتوصيف والمواعظ، حيث لا بد من مقتربات سايكولوجية بالغة الذكاء للكشف عن المستور والمسكوت عنه في حياتنا التي لا يظهر منها على سطح النهار أكثر مما ينتأ من جبل الجليد في المحيط.


لقد تولى الأدب منذ زمن طويل مهمة الكشف عن هذا العالم السفلي، ومن الأدباء من استبق علماء النفس مثلما فعل ديستويفسكي في رؤاه الثاقبة، حيث تحدث عما سيحدث وليس عما مضى فقط.


إننا نحب المبدعين موتى، ونضيق بهم أحياء وهذا ما علق به الشاعر والناقد ستفن سبندر على جنازة بدر السياب التي مشى فيها أربعة أشخاص فقط تحت سماء ممطرة، ثم جاء من يعيد الاعتبار إلى الشاعر بجنازة وهمية، لكن بعد فوات الأوان.


نادراً ما ظفر مبدع بالتكريم حيّاً لأن على الإنسان أن يغيب كي يصبح ساطع الحضور، وعلى الشمعة أن تحترق حتى آخر قطرة دمع قبل الاعتراف لها بالفضل لأنها أضاءت وكشفت، ولولاها لبقي الليل دامساً، والأبقار كلها سوداء فيه كما قال هيجل.


والمسرح حتى لو كان خيالياً أو من تلك الفصيلة العبثية المسماة “اللامعقول” هو تعبير عن عالم سفلي وباطني لا تصل إليه الكتابات العابرة، وأذكر أن أحد علماء الجمال وهو أرنست فيشر حسم المسألة كلها بعبارة لا تخلو من مفارقة.. هي أن الخيال واقع مركز، وأن الكتابة المبدعة هي عما سيحدث أيضاً وليس فقط عما حدث.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “انهم يقتلون مرتين - خيري منصور”

  1. جميل..

    جميل



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر