تسعيرة جديدة للصمت

كتبهاهيثم ناصر ، في 5 تشرين الأول 2008 الساعة: 07:58 ص

خيري منصور

يتداول الصحافيون العرب منذ عقود حكاية لا تنقصها الطرافة عن صحافي تقاضى ثمن صمته، قائلاً لمن كان يحاوره إن الصمت عن النقد وأحياناً عن الهجاء له ثمن، قد يتجاوز ثمن المديح، وسواء صدقت الحكاية أم كانت من ابتكار الظرفاء، فإن دلالتها بعيدة وتشمل السياسة والثقافة أيضاً.


فالشياطين الخُرس يتقاضون أجراً مضاعفاً لأنهم لا يختلفون كثيراً عن شهود الزور ما دام الهدف في النهاية هو حجب الحقائق، بل استبدالها بوقائع ملفقة تعطي كل ما للسماء إلى قيصر.


في السياسة، يصمت من يقبضون على العصي من الوسط بانتظار خلو المسرح من أبطاله، كي يتولى الكومبارس إعادة إنتاج الرواية، وهذا ما تفتضحه المذكرات التي تؤلف بعد فوات الأوان، لأنها تذكرنا بمثل ريفي قديم يقول “ما أكذب من شاب تعذب إلا عجوز مات أبناء جيله”.


أما الثقافة والصحافة خصوصاً بعد أن تداخلت المهن وصارت اللغة هي القاسم المشترك في التعبير والتمرير والتهريب أيضاً، فإن لصمتها ثمناً من طراز آخر، لا تحصيه الحواسيب، بقدر ما يضاعفه الزمن لأن المستقبل له غربال صارم ولا ينجو منه الزؤان مهما تضاءل حجمه أو تشبه بحبات القمح.


إن أهم اختبار أخلاقي للإنسان خصوصاً عندما يكون ذا دور له صلة بالتاريخ هو قدرته على الجهر بموقفه عندما تأزف اللحظة الحرجة والتي لا تقبل التأجيل أو المراوغة، ولدينا في تاريخنا القديم والمعاصر أمثلة وأمثولات في هذا السياق، لكن الآونة الأخيرة التي اقترنت بنهايات غير سعيدة لكثير من الظواهر وأنماط الحراك الإنساني شهدت شحّة ملحوظة في الشهود الذين لا يخشون لومة لائم، ربما هو الخوف من العتاب العاجل أو البحث عن أجر دنيوي حتى لو كان آجلاً، وقد يكون السبب أبعد من هذا كله، ووثيق العلاقة بالتكوين السايكولوجي للأفراد، وبالتربويات أيضاً، لأنها تمزج مع الحليب منذ البواكير.


وهناك من يكسبون العالم كله أو يتوهمون بأنهم كسبوه، لكنهم يدفعون أنفسهم مقابل هذا الكسب. ثم يندمون لكن بعد أن يكون الوقت قد فات، ولم يعد الاستدراك ممكناً.


وما يسمى الفساد على اختلاف مجالاته هو اختزال لغوي وأحياناً سياسي لحالات معقدة من التردي الأخلاقي والمعرفي، فالحضارات تبلغ أحياناً شيخوختها المبكرة، وتصاب كالكائنات الحية بالأنيميا ومختلف أشكال فقر العافية على المستويين العضوي والمعنوي، وأكثر ما يهددها ببلوغ أرذل العمر وهي في طور العذراء هو فقدان ما كان يسميه إصلاحيو القرن التاسع عشر فقدان البوصلة الأخلاقية، وبالتالي تبرير السطو والاستباحة ما دامت القوة هي المعيار الوحيد الذي يتم الاحتكام إليه.


إن من تقاضوا ثمن صمتهم، دفعوا ثمن كلامهم أضعافاً ولو بعد حين، فالتاريخ لا ينتهي عند هذه الظهيرة أو عند غروب شمس الغد، وأعمارنا الفردية فيه مجرد قطرات في محيط.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حين بوح | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر