أسطول من ورق
كتبهاهيثم ناصر ، في 18 أيلول 2008 الساعة: 14:16 م
هناك فك ارتباط غير معلن بين الكلمة والفعل والرقم ودلالاته، في عالم قرر أن يقسم الحراك الإنساني إلى خطوط طول تعني الأفعال وخطوط عرض تعني الأقوال، ورغم أن مصطلح رجل أقوال ليس متداولاً إلا أنه من الناحيتين المنطقية واللغوية المقابل لرجل الأعمال.
بعضهم اختصر المعادلة في عبارة واحدة، هي دعنا نفعل ما نشاء وقل ما تشاء.. حتى الديمقراطيات الأكثر ادعاء بالعراقة في الغرب سقطت في هذا الكمين الذي نصبه أناس امتازوا بالمهارة في تحويل النافع إلى ضار مثلما حاول آخرون أن يحولوا الضارة إلى نافعة.
ولوهلة، تبدو الكتابات العزلاء أشبه بأسطول من السفن الورقية التي تطفو على الماء أو الدم، لكنها سرعان ما تتحول إلى قصاصات في مهب العواصف.
وفي تاريخنا العربي ثمة تشكيك مستمر بجدوى الكلام إزاء الفعل، وقد يكون ما قاله أبو تمام عن معركة انتصر فيها السيف الأيقونة التي توارثها الناس وهي السيف أصدق إنباءً من الكتب.
ورغم أن الفلسفات والعقائد تعتبر الكلمة أساس الكون، وهي التي كانت في البدء إلا أنها تعرضت لإفراغ متواصل من حمولتها وبمعنى آخر أصبحت منزوعة الدسم والفاعلية لأنها تستخدم على مدار الساعة بمعزل عن ترجمتها إلى واقع.
بالرغم من أن الكلام حتى لو كان ثرثرة جوفاء لم يعد مجانياً، وأصبح للهواء ثمن، كما أن الماء لم يعد مثلما قال طه حسين عنه عندما طالب بتعميم حق الناس في العلم كحقهم في الماء.
إن فك الارتباط العضوي بين الكلمة والفعل ألحق الضرر بالاثنين معاً، فالفعل المعزول عن الفكرة وعن منظومات المفاهيم والمنطق يصبح مجرد مغامرات بل مُقامرات غير مأمونة العواقب، والكلمة العزلاء، التي لا يتبعها أي سلوك يتبناها أو يستضيء بها هي مجرد فقاعة في الهواء.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو باختصار ما الذي أفرغ الكلمة من حمولتها؟ وهي التي بلغت حد القداسة؟
الإجابة قد تبدو يسيرة، وملقاة على قارعة السؤال ذاته، لكنها في الحقيقة أعقد من ذلك بكثير، فقد ساهم النفاق السياسي وما تحالف معه من نفاق اجتماعي وتفكير رغائبي وانفعالي في تسفيه الكلام، وإدراجه في قائمة الأشياء ذات الاستخدام الواحد.
ولدينا الآن أمثال بالمئات عن مجانية الكلام وعدم جديته وجدواه، فهو غير مُلزم لأحد، لهذا يعزف الناس عن القراءة، ويعيشون أزمة ثقة متفاقمة مع الكلمة المكتوبة.
من هنا، فإن معظم التشخيصات الرائجة حول الاستخفاف بالكلمة ستبقى مراوحة عقيمة إذا لم تبدأ من أول السطر، ومن مبتدأ الجملة المعترضة التي لا تزال منذ ألف عام تبحث عن خَبَرهِا.
خيري منصور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:قصاصات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























