تجهيل مُبرمج

كتبهاهيثم ناصر ، في 15 أيلول 2008 الساعة: 10:35 ص


 

 

 

 

هناك ظاهرتان ينبغي التحفظ إزاءهما رغم الصيغة العلمية والرقمية التي تقدم من خلالهما إلى الرأي العام.

الأولى، الإحصاءات سواء تعلقت بالكوارث أو الثروات أو عدد المرضى في العالم، لأن هذه الإحصاءات ليس لوغرتمات وليست معزولة عن حيثيات وقرائن تضيف إليها دلالات اجتماعية وسياسية وثقافية.

والثانية استطلاعات الرأي العام، خصوصاً عندما يكون الطرح مقترناً بما يسمى العينات العشوائية، فالميديا الموجهة وكذلك مراكز الأبحاث خصوصاً الاستراتيجي منها لا تعمل في الفراغ أو الفضاء الرحب طليقة ومحررة من الهوى والأهداف، لهذا توظف هذه الاستطلاعات كبالونات استكشاف قبيل قرار ما ويقاس بها منسوب ردود الأفعال لدى الناس.

الإحصاءات رغم قناعها العلمي وجداولها وموضوعيتها توظف أيضاً في سياقات يقصد بها المقارنة، فالدول الفقيرة تحرص على نشر احصاءات حول متوسط دخل الفرد وصحته في الدول الأشد فقراً منها ما دام الأمر نسبياً ويراد به تهوين المصائب إذا قورنت بما هو أعظم منها. لقد ارتكبت كما يقال جرائم كثيرة باسم الحرية، وأضعافها ارتكبت باسم الثورات وأخيراً الديمقراطية ذات الخوذة الفولاذية وما نخشاه هو أن ترتكب فظائع باسم ما يقدم تحت قناع علمي، حتى لو كانت هذه الفظائع من النوع الناعم والعابر للوعي بمرونة وخفة ثعبانية، ما يقدم مثلاً عن التعليم والصحة والثقافة غالباً ما يصرف الانتباه إلى عموميات، فالتعليم ليس فقط محواً للأمية على اختلاف مستوياتها، خصوصاً أن هناك أمية أكاديمية وأخرى سياسية، وثالثة تربوية، قد لا تكون مرئية ومرصودة بالعين المجردة، لكنها تمارس نفوذها عن طريق العدوى.

استطلاعات الرأي العام أحياناً تحدد قبل البدء بها ميدانياً، وهذا ما تلجأ إليه مراكز أبحاث صهيونية داخل فلسطين أو خارجها، وهو بمثابة التمهيد السايكولوجي والتهيئة النفسية لقبول ما هو عسير الهضم على العقل والقلب معاً.

ومن يتعاملون مع النسب المئوية والأرقام على عواهنها يفوتهم الكثير، لأن ما يحدد قيمة الاستخدام العلمي للإحصاءات أو الاستطلاعات هو السياق الذي توضع فيه.

وأحياناً يكون الواحد في المائة ذا دلالة أعمق وأشد تعقيداً من التسعة والتسعين في المائة، خصوصاً في مجالات حيوية تتعلق بمواقف سياسية ومصائر شعوب وقضايا.

ولسنا محدثي نعمةٍ على الصعيد العلمي والرقمي بحيث نصاب بالعمى إذا شهر في وجوهنا جدول أو رقم.. فثمة حقوق يراد بها أباطيل.

ونحن نعيش زمناً وظفت فيه التكنولوجيا في ذروة تطورها لصالح الخرافة أحياناً، ووظفت المعرفة من أجل ترسيخ الجهل وأدلجته.

خيري منصور

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “تجهيل مُبرمج”

  1. طرح رائع لموضوع لا ننتبه إليه..

    الاحصاءات والارقام مادة جدية لعمل صحفي.. ولا ننتبه لما ورائها ومدولاتها وسياقها..!!

    شكرا لك..

    ما تكتبه وما تنتقيه يفتح افاقا جديدة.. وأتعلم منك..

    لك كل التحية..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر