الحياة بالانتساب فقط

كتبهاهيثم ناصر ، في 15 أيلول 2008 الساعة: 10:30 ص

شاع هذا المصطلح في ستينات القرن الماضي للدلالة على من يدرسون في الجامعات العربية عن طريق الانتساب، بحيث لا يذهبون إلى الجامعات إلا أسبوعاً واحداً في نهاية العام الدراسي للامتحانات، وثمة أعداد كبيرة من هؤلاء حصلوا على درجات علمية لكنهم كما اعترف لي بعضهم خسروا شيئاً لا يقل أهمية عن المنجز الأكاديمي وهو العيش في بيئات ومناخات مختلفة، وبالتالي الاحتكاك بنماذج بشرية مغايرة لما ألفوه في بلدانهم.

ومن حصل على شهادة جامعية من إحدى جامعات لندن أو باريس أو نيويورك أو ألمانيا وحتى بعض الجامعات العربية عن طريق التعايش لا الانتساب كان تحصيله مزدوجاً، وتعلم من الحياة خارج أسوار الجامعة ما لم يتعلمه من الكتب.

واليوم يتكرر أسلوب الانتساب لكن بطرق أخرى، فثمة موظفون يمارسون أعمالهم وهم جالسون في غرف نومهم أمام الكمبيوتر، وهناك أيضاً كتاب ورجال أعمال وناشطون في مختلف المجالات لا يغادرون منازلهم لإنجاز المطلوب منهم إنجازه.

ويبدو أن الحياة ذاتها تعاش بطريقتين أو بمعنى أدق بإحداهما، إما الانتساب والتأمل عن بعد أو الاستغراق والانخراط، وهذا هو الفارق الجوهري بل الحاسم بين من يكتب عن جبل تكبد مشقة صعوده وبين من يجلس ليتأمل هذا الجبل على خريطة أمامه.

الحياة عن طريق الانتساب قد تجعل المرء يحصل على حصة منها كتلك التي حصل عليها الأكاديميون بالانتساب، لكن التجربة بتفاصيلها الحية تبقى خارج هذا المدار.

هناك فرق بين أن نعيش وأن نحيا وهذا ما تنبه إليه شاعر بريطاني هو ت. س. اليوت عندما تساءل بمرارة ساخرة: أين هي الحياة التي أضعناها في العيش؟ فالعيش هو مرادف الضرورة، والحياة هي مرادف الحرية والاختيار الصعب، لهذا تطلق بعض الشعوب كلمة العيش على الرغيف فقط.

نعرف أن الإنسان لا يعيش بالرغيف وحده، كما أنه لا يستطيع الحياة بالورد وحده. فما من وجبة من السكر الخالص أو الملح الخاص.

وثمة مساحة رمادية لا هي مرة أو حامضة أو حلوة أو مالحة بين الضرورة والحرية.

مساحة ينعدم فيها الطعم والوزن وقد تنعطب فيها البوصلة ولا تبقى سوى جهة واحدة، وهي الخامسة التي لا تأتي منها ريح ولا يلوح في أفقها شمس أو قمر.

إن أول ما خطر ببالي عندما قرأت كتاب المذكرات الآسر لبابلو نيرودا بعنوان “أشهد أنني قد عشت” هو أن هذا الرجل لم يعش حياته بالانتساب ولم يكتب شعره أيضاً بالانتساب عن بعد إلى القواميس والكتب، بل نزفت أصابعه لفرط ما دق بها أبواباً ونوافذ مغلقة.

وقادته قدماه إلى مناطق مجهولة على الأرض ومسكوت عنها في التاريخ ومحظور الاقتراب منها بالخيال.

إن معظمنا يعيشون هذه الأيام بالانتساب عبر الانترنت، ولا يحيون بلحمهم ودمهم، لهذا فالخلل محتم وقادم بين العقل والقلب.

خيري منصور

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الحياة بالانتساب فقط”

  1. مقال على الوجع إن صح القول..

    شكرا لاختياراتك..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر