العرب و الغرب وإشكالية الهوية في زمن العولمة
كتبهاهيثم ناصر ، في 12 أيلول 2008 الساعة: 13:19 م
12/09/2008

عولمة الخوف
وبعد الأحداث المؤلمة التي أدت إلى تدمير برجي التجارة العالمية في مانهاتن يوم 11 أيلول(سبتمبر) 2001، كتب هانتنغتون مدافعاً عن أفكاره قائلا إن هذا الحدث يثبت صحة ما ذهب إليه إذْ وصف تلك العمليات بأنها ضد الحداثة.
‘ العمليات الإرهابية لـ 11 سبتمبر ورد الفعل الأمريكي عليها خلَّفا كثيراً من الضحايا الأبرياء’ كما يقول نعوم تشومسكي (Naom Chomsky) العالم اللغوي الأمريكي الشهير، وهي في نظر الكثيرين ممن أعلنوا تضامنهم الكامل مع أمريكا، دلالة على أن الإسلام يريد فرض نمط فكري ومعاشي على جميع الإنسانية، حيث وصف بالخطر الشمولي مثل ما وقع بين الحربين العالميتين مع الشيوعية بعدما تغاضى المثقفون عن انتقاد الفكر الشيوعي وكبح جماحه. لقد كتبت الأسبوعية الفرنسية اليسارية لكسبريسيون LExpreion بعد 11 سبتمبر ‘كلنا أمريكيون’ فرد ألآن جوكس Alain Joxe معارضا: ‘القول بأننا كلنا أمريكيون خطأ، نحن أوروبيون’، عكس آخرين اتهموا صراحة أمريكا بمسؤوليتها عما يحدث ولو بطريقة غير مباشرة معتبرين أنّ عولمة الإرهاب رد فعل على الرأسمالية العالمية. لقد كتب الفرنسي جان دانيال بن سعيد، رئيس تحرير المجلة اليسارية ‘لو نوفال أوبسارفاتور’ (Le Nouvel Observateur)، موضحا أن: ‘العنف ينتشر عندما تغيب المساواة، وتنعدم العدالة ما بين الجنوب والشمال، وبين الغني والفقير، وبين الرجال والنساء’.
صناعة الثقافة وصراع الهوية
إنّ إنتشار ظاهرة العولمة في جانبها الثقافي تجلى في تداول المنتجات الثقافية بين الدول، منها البرامج التي تبثها وسائل الإعلام، وأفلام المهرجانات مثل (كان Cannes بفرنسا، والبندقية Venise بإيطالياô) و يصطلح على هذا صناعة المخيِّلة limaginaire التي بها يستطيع الأفراد معرفة المجتمعات الأخرى في قيمها وعاداتها وهويتها وثقافتها إذا سلمنا أن الثقافة تتكون من القيم والهوية، وفي معناها الأنثربولوجي هي نظام تمثيل رمزي يتكون المجتمع من خلالها وبها يتميز عن غيره.
فمن هذا المنطلق، ومنذ عشرات السنين، تعمل الدول الكبرى ومنها أمريكا خصوصاً على تصدير سلعها الثقافية وفي نفس الوقت تصدير قيمها وطريقة حياتها، ممّا أحدث صراعا بينها وبين أوروبا. لقد ظهرت سياسة الخصوصية الثقافية في الاتفاق المبرم في 1994 بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (GATT-OMC) والذي سمح لعدة حكومات بعدم تحرير وخصخصة الميدان السمعي البصري كليًا، والحفاظ على الدعم الحكومي الموجه إلى القطاع العمومي (الشركات السينمائية والإذاعة والتلفزيون، ودور النشر…)، وهو ميدان تتصارع فيه مصالح اقتصادية دولية كبرى، والغرض من ذلك تشجيع التنوع الثقافي. تبلورت هذه الفكرة أكثر مع منظمة اليونسكو التي أخذت على عاتقها مهمة حماية وتثمين تنوع التعبير الثقافي، والتي دخلت حيز التطبيق في شهر آذار (مارس) من العام الماضي، ورغم أن طابعها غير ملزم، ممّا يحدُ من فعاليتها، إلاّ أنها تعتبر خطوة هامة.
إن الخصوصية الثقافية كانت رمز المقاومة ضد قانون السوق في الميدان الثقافي، فهي ليست الخصوصية المحلية أو الوطنية، بل هي علاقة الثقافة مع السلع الأخرى؛ فالسلع والمنتجات الثقافية شيء خاص لا تخضع للعرض والطلب، ولا للربح والخسارة، بعيدة من أن تكون مجموعة من الخيرات الاقتصادية تتداول في السوق؛ إنها أشياء مميّزة وخاصة لما تحتويه من رأي للفنان والمبدع في قضايا العالم، وفي قيم المجتمع الذي ينتمي إليه.
أوروبا والتحدي الثقافي الأمريكي
حسب إحصائيات مجلس الاتحاد الأوروبي، 51 ‘ من الأوروبيين يتكلمون الانكليزية كلغة ثانية مقابل تراجع اللغات الأخرى؛ ومن بين الخطوات لمواجهة الهيمنة الأمريكية، شرع منذ أكثر من سنة في انجاز أكبر المشاريع الثقافية والعلمية الذي هو المكتبة الرقمية الأوروبية Europeana ردا على الشركة الأمريكية العملاقة غوغل Google التي فتحت مكتبة رقمية في الأنترنات سنة 2005 لجعل كل ما نُشِر في العالم منذ القديم إلى يومنا هذا في متناول القارئ حيث ما وُجد . ما دفع بالفرنسيين إلى اعتباره تحديًا لثقافتهم. فالعالم، من هذا المنطلق، سيكون بمنظور أمريكي.
لقد انطلق المشروع الأوروبي في وقت قياسي بعد ما نشر جون نوال جونني Jean-No’l Jeanneney مدير المكتبة الوطنية الفرنسية نداءً بجريدة ‘لومند’ Le Monde في كانون الثاني (يناير) 2005 بعنوان عندما يتحدى غوغل أوروبا. ثم تبعه بنشر كتاب بنفس العنوان ساهم بنشر الوعي لدى النخبة الحاكمة في فرنسا وفي أوروبا حول أهمية المشروع. ولقي هذا الأخير دعم كل من الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وجون كلود جنكر رئيس المجلس الأوروبي وجوزي بَرُّوزُو رئيس اللجنة الأوروبية، ليصبح المشروع عمليا وفي متناول القراء ابتداء من آذار (مارس) 2007، إذ سيصبح بإمكانهم تصفح ً 6 ملايين وثيقة (أرشيف، كتب، مجلات، جرائد، صور، وثائق سمعية وبصرية ) مجانا بحلول عام 2010. وهذا هو الفرق بيننا نحن العرب وبينهم، المثقفون عندهم ينظِّرون والسياسيون يعملون، أمّا عندنا، فنخبتنا في وادي وحكامنا في واد آخر، وإذا برزت الفكرة فلا يوجد من يطبقها وإذا طبقت تأتي مشوهة أو تسند لغير أهل الاختصاص…
الفرانكفونية بين الثقافة والاقتصاد
تعمل بعض الدول كفرنسا على تخطيط وتنفيذ سياستها الثقافية داخليًا بالتشديد على اللغة الفرنسية ومقاومة التأثير الأنجلوسكسوني، أمَّا خارجيًا فبدعم مراكزها الثقافية والدُوُر التي تنشر الكتاب الفرنسي، وإنشاء المدارس والثانويات وفروع لجامعاتها. وبالتوازي مع المكتبة الرقمية الأوروبية تم الشروع في إعداد مكتبة فرانكفونية تضم المكتبات الوطنية لبلجيكا، وكندا، وفرنسا، ولكسمبورغ، ومقاطعة الكيبيك، وسويسرا، إثر اجتماع باريس في 28 شباط (فبراير) 2006. وبعد شهر من ذلك التحقت بهم المكتبة المصرية الاسكندرية Alexandrina. وفي اجتماع القمة الفرنكوفونية المنعقد ببوخارست، العاصمة الرومانية، دعا رؤساء الدول والحكومات المنظمة الدولية للفرانكفونية وجميع العاملين في هذا الحقل إلى رفع جميع تحديات التربية بالاستعانة بتقنيات الاتصال والإعلام، وكذلك يتم الاتصال بالمكتبات الواقعة في الجنوب، أي غير أوروبية، للانضمام إلى المشروع.
غير أن انتقادات عديدة وُجهت إلى فرنسا الرسمية، التي تستثمر كثيرا في مواجهة الهيمنة الأنجلوسكسونية التي جاءت بها العولمة وتلتزم الصمت على المستوى الداخلي بخصوص ثقافة المهاجرين بحجة تفادي الانزلاق في الفئوية والطائفية. وحتى إعلامها لا يولي اهتماما للثقافة العربية، رغم تنوعها وثرائها، مما جعل العامة لا تعرف من الفنانين العرب غير الشاب خالد والشاب مامي و إيدير الجزائريين. وكل ما يتم التركيز عليه في الوسائط الإعلامية الفرنسية بخصوص الثقافة العربية فتنحصر في إمّا التطور العمراني في الخليج، بالأخص ناطحات السحاب في إمارة دبي، أو شواطئ تونس وأهرامات مصر أو مختلف مظاهر التطرف الديني… لكن يعمل الكثير على تحوير قضية الخصوصية الثقافية إلى أمر منحط وخطير مثل ما يقوم به زعيم اليمين المتطرف بفرنسا جان ماري لوبان (Le Pen) الذي جعل الأفضلية في كل شيء لما هو محلي (فرنسي) بطريقة كاريكاتورية، بالانغلاق في الوطنية الشوفينية. وهو ما دفع بقسم كبير من الرأي العام إلى الشك والخوف من ‘الآخر’. وهذا ما يفسر، على سبيل المثال، التوجس القائم من انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي حيث يقف قسم من اليمين ضدها بحجة الحفاظ على الهوية والثقافة الأوروبية.
العرب والانتظار على أبواب التاريخ
في عالمنا العربي تعمل جلّ الأنظمة العربية على الدوران في المحلية الضيقة، أي الهوية الوطنية التي خلقها الاستعمار، فهي سجن مانع للتضامن الشعبي العربي، لقد بقيت النخب الحاكمة تستعملها كوسيلة للبقاء في الحكم دون وعي بالتحديات المطروحة، فكثيرا ما تعمل على ترسيخها بإعلامها وسياساتها، إذْ كثيراً ما نسمع عن هوية وثقافة كويتية، وأخرى مصرية، أو جزائرية، … وأصبح هناك تسابق على رموز الهوية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ها هو إبن خلدون يحُصر في الهوية الوطنية التونسية وهو الذي جال وصال بين المغرب والأندلس والمشرق يعرِّف نفسه بعبد الرحمان بن خلدون الحضرمي. فقديماً كان الفرد في الحضارة العربية الإسلامية ينسب إلى مكان مولده ويُعرَف طوال حياته بمدينته كلقب مضاف إلى اسمه مثل البغدادي، الدمشقي، البجائي، القيرواني، التلمساني، الفاسي، الشابي… إنّ قضية الهوية أصبحت عالمية، فأمسى الفرد يعيش بمجموعة من الهويات لا يمكن حصرها في بطاقة التعريف الوطنية أو جواز السفر أو فقط لسانه ؛ فالهويات تتطور بتمازج الناس وتبادلهم. و إنّ التحدي الكبير هو كيف الوصول إلى توازن يحترم الهوية والثقافة القائمة في مجتمع ما والانفتاح على الثقافات الأخرى. إنها معضلة ستواجه كل الدول عاجلا أم آجلا وخاصة في وطننا العربي رغم ما يوجد من اختلاف بين بلاد وأخرى. لذا ينبغي على سياسات الدول القطرية بغض النظر عن حجمها أن تقوم بتبادل متوازن للإنتاج الثقافي لمختلف المجتمعات لتصبح العولمة حاملة لطريقة مثلى خالية من التنازع نحو العيش الجماعي السلمي وتقبل الآخر. إنّ الصراع الفكري اليوم على أشده لما ينشر من بلبلة في الرأي العام بالخلط بين الإرهابي والمقاوم، وبين الإسلامي الأصولي والمسلم العادي، بين المنافس الاقتصادي والإمبريالي، بين الإنساني والاستغلالي… إنّ القرن الواحد والعشرين هو قرن العولمة والهويات المتعددة، التي هي بالتأكيد تحدي ولكنها أيضاً فرصة جديدة لكثير من الأمم للتعريف بحضارتها. فهل الغرب مستعد للتخلي عن تعاليه؟ وهل العرب يستعدون ويعملون من أجل حصانة شخصيتهم وثقافتهم، وإبراز الوجه الإنساني لحضارتنا العربية الإسلامية، والانفتاح على الثقافات الأخرى؟
باحث من الجزائر يقيم بفرنسا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:قصاصات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























