ورق في مهب النسيان
كتبهاهيثم ناصر ، في 3 أيلول 2008 الساعة: 08:43 ص
![]()
خيري منصور
لو أن ما ينشر في العالم العربي اليوم من أبحاث وأوراق مؤتمرات ومقالات في الصحف ألقي في النيل ودجلة والفرات وبردى والأردن لتغير لون الماء، ولو أن هذا كله نشر قبل قرنين رغم ارتفاع نسبة الأمية وندرة المعاهد والجامعات في ذلك الزمن لما كان الحال على ما هو عليه الآن.
إن الأزمة الحقيقية ليست في شحة ما يكتب ويرصد، بل هي في انصراف الناس عن القراءة، واستخفافهم بالنشاط الذهني لمصلحة كل ما هو محسوس ومرئي ومسموع.
ونحن في غنى عن التذكير بما قالته التقارير الإقليمية والدولية في وصف حالتنا، فالمشهد لا يسر غير الأعداء، ومسألة التفاؤل والتشاؤم وسائر الثنائيات من هذا الطراز الانفعالي لا مكانة لها في عالم يتعامل مع المستقبل بالأرقام والاحصاءات وليس بقراءة الطوالع وما علق على جدران فناجين القهوة من الثمالة أو الحثالة لا فرق.
ولكي لا نستغرق مجدداً في التوصيف بسبب إغراء سهولته، فإن أول ما يجب نبشه في هذا الملف هو حالة الاغتراب التي يعيشها العربي، والاغتراب كمصطلح فلسفي أو سايكولوجي ليس مرادفاً للغربة بمعناها الاجتماعي المتداول، إنه حالة من استلاب الوعي، بحيث يصبح الغارق في البئر جزءاً من قاعه وحصاه.
وأول ما يشترطه الوعي المفارق والإيجابي هو الاحتفاظ بمسافة ما عن الحدث وبالتالي عن الواقع ذاته، لأن من يتفلطح أنفه على زجاج الصورة أو واجهة الحانوت لا يرى أكثر من مساحة عينيه.
لقد زج الإنسان المعاصر ومنه العرب وسواهم في دوامة من الاستهلاك المحموم واللهاث الدائم لا يتيح للإنسان حتى لحظة واحدة ليسأل نفسه أين يقف وعلى أية أرض؟ ولا يفحص بوصلته ليتأكد من سلامتها، فثمة افراط كارثي في تسليم النفس للمصادفة، وردود الأفعال، لأن المبادرة غائبة والثقافة الأكثر هيمنة ورواجاً الآن هي ثقافة التبرير ومراكمة المديونيات بمختلف أنماطها بحيث تصبح حمولة شاقة لا تقوى الأجيال القادمة على حملها.
لقد كانت استجابات الناس في الماضي رغم ضعف وسائل الاتصال، وبدائية الطباعة ومحدودية النشر أضعاف ما هي عليه في زمن التواصل وتدفق المعلومات، فالمسألة ليست في النهاية ما ينشر أو يبث من معرفة، بقدر ما هي حاجة الإنسان إلى هذه المعرفة، وبالتالي ترجمتها من مفاهيم مجردة ممنوعة من الصرف إلى خبرات واحتكاك يومي بكل التحديات الذاتي منها والموضوعي.
وعبارة السيد المسيح عن الغفران الذي يرتجى بعد كل هذه المعرفة تتحول في أيامنا إلى ما يشبه المساءلة المعرفية والأخلاقية لأناس يرتكبون الأخطاء الكبرى والتي تتحول إلى خطايا مع سبق الإصرار.
وما أفرزه عصر العلم والتطور الذي أحرق المراحل تباعاً من الشرور هو أضعاف مضاعفة لما أفرزه الجهل في الأزمنة الغابرة، وضحايا حروب السيف والمنجنيق ليسوا هم ضحايا طائرات الشبح والأباتشي والصواريخ الذكية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:قصاصات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























