شكر النعمة بالصيام والذكر

كتبهاهيثم ناصر ، في 1 أيلول 2008 الساعة: 08:04 ص

 
 

أحمد حلمي سيف النصر

أمر الله عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: “وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدةَ وَلِتُكَبرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلكُمْ تَشْكُرُونَ”. (البقرة: 185)

فمن جملة شكر العبد لربه على توفيقه لصيام رمضان، وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكراً عقيب ذلك، وكان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائماً، ويجعل صيامه شكراً للتوفيق للقيام.

وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه، فيقول: “لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر، للتوفيق والإعانة عليه”.

ومما اثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر” (رواه مسلم وغيره).

قال الإمام النووي - رحمه الله -: قال العلماء: (وإنما كان كصيام الدهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين..).

ونقل الحافظ ابن رجب عن ابن المبارك: (قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل، فيكون له أجر صيام الدهر فرضاً).

إن صيام هذه الست بعد رمضان دليل على شكر الصائم لربه تعالى على توفيقه لصيام رمضان، وزيادة في الخير، كما أن صيامها دليل على حب الطاعات، ورغبة في المواصلة في طريق الصالحات.

اجتماع اللسان والجنان

وذكر الله وشكره هو أعظم ما فتق عنه لسان وتدبره جنان. فلا بد من اجتماع اللسان والجنان حتى يؤتي الذكر ثماره ويستشعر العبد آثاره. فقد وصف الله تعالى أولي الألباب بأنهم “الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ” (آل عمران 191) فهم جمعوا بين ذكر الله تعالى في كل أحوالهم ودعائه، والتفكر في خلق السماوات والأرض.

قال أحد العارفين: “لا اعتداد بذكر اللسان ما لم يكن ذلك من ذكر في القلب، وذكره تعالى يكون لعظمته؛ فيتولد منه الهيبة والإجلال، وتارة لقدرته فيتولد منه الخوف والخشية، وتارة لنعمته فيتولد منه الحب والشكر، وتارة لأفضاله الباهرة فيتولد منه التفكير والاعتبار؛ فحق للمؤمن ألا ينفك أبدا عن ذكره على أحد هذه الأوجه”.

في ظل هذه الحياة وماديتها الطاغية على المسلم أن يقف مع نفسه ويراجع حاله مع ربه؛ حتى لا ينسيه الشيطان ذكر ربه فيكون من الهالكين فالذكر يعد أعظم زاجر للعبد عن المعاصي والفواحش، إذا أداه بضوابطه، مع مراعاة معانيه العامة والخاصة، بعد تأدية الفرائض والأركان العملية، والتي من أهمها الصلاة في أوقاتها، قال تعالى: “إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا” (النساء 103)، وقال سبحانه عنها “إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” (العنكبوت 45) ثم قال عز من قائل “ولذكر الله أكبر” ومن المعاني التي ذكرها كثير من المفسرين لقوله تعالى “ولذكر الله أكبر” (العنكبوت 45) أن ذكر الله على الدوام أكبر في النهي عن الفحشاء والمنكر من الصلاة، لأنها في بعض الأوقات دون بعض، وقد ذكر ذلك ابن الجزري وأشار إليه القرطبي.

علامة القبول

إن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان، فإن الله تعالى إذا تقبل عمل عبد، وفقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم: “ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى”.

كما أن فيه شكراً لنعمة الإتمام، ومن حق الشكر الصوم.

.. وما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحها، وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها.. وإن من توفيق الله للعبد إعانته على طاعات بعد طاعة.

إن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب، وإن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكراً لهذه النعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟! فيقول: “أفلا أكون عبداً شكورا؟”.

وكل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا توجب عليه الشكر عليها، كما أن التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى تحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبداً فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم. وحقيقة الشكر الاعتراف بالعجز عن الشكر.

كما أن الأعمال التي كان العبد يتقرب يها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حياً..

ثم إنّ من الفوائد المهمّة لصيام ستّ من شوال تعويض النّقص الذي حصل في صيام الفريضة في رمضان إذ لا يخلو الصائم من حصول تقصير أو ذنب مؤثّر سلبا في صيامه.

وفي يوم القيامة يُؤخذ من النوافل لجبران نقص الفرائض كما قال صلى الله عليه وسلم: “إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا جل وعز لملائكته وهو أعلم انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت تامة وإن انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ثم تؤخذ الأعمال على ذلكم” (رواه أبو داود).

اليقين القلبي

إن حياة الذاكرين ليست الحياة المحسوسة التي يشترك فيها الإنسان مع باقي الكائنات الحية؛ وإنما نقصد بها حياة الروح وروح الحياة، حياة القلب وقلب الحياة، نقصد الحياة التي عبر عنها الله تعالى بقوله: “يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ” (الأنفال:24).

فهذه الحياة متحققة بالاستجابة لأمر الله ورسوله. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت”.

ومن مظاهر هذه الحياة اطمئنان القلب ويقينه في الله تعالى، واستكمال الآية الكريمة آنفة الذكر: “وَاعْلَمُوا أَن اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ”. وهذا يعني أن هناك علاقة قوية ومباشرة بين هذه الحياة والقلب؛ فحيلولة الله بين المرء وقلبه تعني موات هذا القلب وعدم انتفاعه بالموعظة.

وذكر الله عز وجل هو الطريق الرئيسي لتحقيق هذا اليقين القلبي، ومصداق ذلك قول الله عز وجل: “الذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِن قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِن الْقُلُوبُ”. ومن أولى صفات المخبتين “الذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ” (الحج 35)، وتوعد سبحانه وتعالى القلب الميت الذي لا يتأثر بالذكر “.. فَوَيْلٌ للْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم من ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مبِينٍ” (الزمر: 22)

دليل الاطمئنان

وعلامة اطمئنان القلب بالذكر أن العبد إذا ذكر من أسماء الله وصفاته: الرزاق الفتاح الوهاب الكريم الباسط؛ اطمأن على رزقه. وإذا ذكر من أسمائه تعالى: الغفور الرحيم التواب العفو؛ اطمأن على مغفرة ذنوبه وتكفير سيئاته. وإذا ذكر من أسمائه: العليم الخبير السميع البصير؛ اطمأن على أن ما أصابه فإنما هو بقدر الله وعلمه. وإذا ذكر من أسمائه: القادر المنتقم الجبار؛ اطمأن على قدرة الله تعالى على الانتقام من المتجبرين ورد كيد المعتدين ودفع الظالمين.

وهكذا فالعيش مع أسماء الله وصفاته يكسب القلب طمأنينة ويقينا، وينزل على النفس بردا وسلاما. ويكتمل اليقين القلبي بالتغلب على الشيطان الذي أخذ على نفسه العهد بأن يضل الإنسان، وأن يوسوس له ويزعزع إيمانه ويقينه في ربه.

وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن ذكر الله تعالى هو من الأسلحة الفتاكة لمواجهة الشيطان؛ حيث قال: “إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإذا نسي الله التقم قلبه فوسوس” (رواه الحافظ الموصلي). إذن فحياة القلب الذي ينصلح الجسد بصلاحه ويفسد بفساده متحققة بذكر الله، والتفكر في أسمائه وصفاته، والعيش في رحابه.

نظام الإسلام

النفس تستقر حين تعلم أن الله لم يتركها في الأرض مهملة دون رعاية وتوجيه وإنما أرسل إليها نظما تنظم لها حياتها وهي الأديان من خلال أفراد هم الرسل وأتم هذه النظم بنظام الإسلام كما يقول: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا” (المائدة: 3)، وكما يقول: “ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين” (النحل: 89).

والنفس تطمئن حين تعلم أنها خِلقت لكي تنعم في الحياة بنعم الله كما يقول: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات: 56)، قال الإمام القرطبي: “.. قال مجاهد: إلا ليعرفون..”، أي ليتعرفوا إلي وإلى خيرات أرضي وكوْني ويتمتعوا بمتعها الحلال كما يقول: “ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين” (البقرة: 36).

فالهدى والرحمة والبشرى هي السعادة في الدنيا والآخرة لأنه سبحانه يبين لنا من خلالها أين الصواب من الخطأ وأين المصلحة من الضرر في كل المواقف، والنفس تسكن حين تعلم أنها ستؤول إلى خالقها بعد موتها كما يقول: “يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي” (الفجر: 27-30)، و تحيا خالدة عنده في جنته إذا أحسنت كما يقول: “للذين أحسنوا الحسنى وزيادة” (يونس: 26).

والنفس تستبشر حينما تتأكد أن ما يفوتها في الدنيا سُتعَوضَه في الآخرة يوم الحساب كما وعد بذلك ربها في قوله: “لكي لا تأسوا على ما فاتكم” (الحديد: 23)، قال الإمام الطبري: “.. قال ابن عباس: أي في الدنيا..”، وأنها إذا ظِلمَت فيها من أحد فإنها ولابد ستأخذ حقها كاملا منه غدا قريبا من أعدل العادلين كما يقول: “فلا يخاف ظلما ولا هضما” (طه: 112).

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر