القضية الفلسطينية في نهاية الطريق

كتبهاهيثم ناصر ، في 31 أغسطس 2008 الساعة: 10:48 ص


 

فهمي هويدي

حلول العام الستين للنكبة مناسبة لإلقاء نظرة فاحصة على مشهد الصراع، لكي نفتش عما تبقى لنا من أوراق وخيارات، وما يلوح لنا من آفاق.

(1)

قرأت قصة الحاجة جميلة أبو عبية التي ولدت في قرية “سيدنا علي” بقضاء يافا في سنة 1930 التي هجرت مع أسرتها بعد حرب عام 1948 إلى قرية “المقيبلة” شمال جنين. وبعد حرب ،1967 انتقلت إلى العيش في نابلس، وظلت طول الوقت تحتفظ بمفتاح بيت أسرتها في قرية  “سيدنا علي”.

ومع المفتاح احتفظت بكافة الأوراق الرسمية التي تثبت ملكية البيت، كما أنها لم تفرط في بندقية قديمة مما اقتنته أسرتها لتدافع عن بيتها وأرضها في عام 1948. اشتهرت الحاجة جميلة بقوة ذاكرتها وحجتها، حتى أصبح بيتها في نابلس مقصداً لمختلف الزائرين والباحثين المهتمين بالقضية، الذين كانوا يعتبرونها شاهداً حياً للتاريخ، لا يريد أن ينساه، ولا يريد أن يفرط في حق العودة إلى داره التي طرد منها، ويذكرون لها انها استقبلت ذات يوم المسؤول الأول عن وكالة الغوث الدولية، الذي سألها عما إذا كانت تقبل مليون دولار تعويضاً لها عن أرض أسرتها ومنزلها في قرية “سيدنا علي”. فكان ردها: “وفر مليونك وأعطني بدلاً من ذلك خيمة أقيمها فوق تراب بيتي الذي هدم، أقضي فيها بقية حياتي”. ذلك لم يحدث بطبيعة الحال، ولكن الذي حدث أن الحاجة جميلة قامت في سنة 2005 بزيارة لبعض أهلها في قرية “المقيبلة” الذين هاجروا معها في سنة  ،48 ثم دفعها الحنين إلى زيارة مسقط رأسها في “سيدنا علي”، وهو ما ظلت تحلم به طول الوقت، وشاءت المقادير أن تكون صورة القرية هي آخر ما وقعت عليها عيناها من فلسطين. لأنها ماتت بعد ذلك بأربعة أيام.

أبو السعيد فلسطيني آخر من جيل الحاجة جميلة، في عام 48 اضطرت عائلته إلى الهجرة من قريتهم “مجد الكروم” التي تطل على البحر قرب عكا. نزحوا إلى مدينة الخليل في الضفة أملاً في ان يعودوا إلى قريتهم بعد ذلك. مرت السنوات سراعا ولم يعودوا. فاستقر بهم المقام في الخليل. لكن “الإسرائيليين” احتلوها في عام ،67 فهاجر الرجل مرة ثانية إلى عمان ليستقر في مخيم الوحدات. ومن عمان ذهب إلى الكويت للعمل هناك. لكن احتلال العراق للكويت في عام 90 اضطره للهجرة مرة أخرى إلى الأردن، ولا يزال يقيم هناك إلى الآن، إلا أنه بعدما بلغ من العمر 75 سنة فقد الأمل في العودة إلى قريته “مجد الكروم”، التي محيت من الخريطة الفلسطينية في طبعتها “الإسرائيلية”، لكنه واثق من أن واحداً من احفاده ال25 سيعود في يوم لا يعرفه، لكنه يحلم به كل يوم.

(2)

ليست هذه قصة اثنين من فلسطين، ولكنها قصة أكثر من ستة ملايين شخص من أمثالهما يعيشون في الشتات منذ ستين عاماً (هناك ثلاثة ملايين آخرين نصفهم يعيشون في قطاع غزة والنصف الآخر لا يزال باقياً داخل “إسرائيل”. ولا يزال كبار السن يحملون مفاتيح بيوتهم التي طردوا منها وأوراقهم التي تثبت ملكيتهم لها، وهؤلاء هم الذين طردوا في عام 48 من 530 مدينة وقرية، ومن 662 ضيعة ونجعاً.

رحلة الستين عاماً يوزعها الدكتور علي الجرباوي استاذ العلوم السياسية بجامعة بير زيت بين ثلاث مراحل هي: “النكبة” التي اقترنت باستيلاء الصهاينة بالقوة المسلحة على 78% من ارض فلسطين وأقاموا عليها عام 48 وأقاموا عليها دولتهم، و”النكسة” التي أتمت فيها “إسرائيل” سيطرتها على كامل الاراضي الفلسطينية في عام ،67 و”المهلكة” التي بدأت باتفاق أوسلو عام 93 (أفضل تسميتها “الوكسة” التي تطلق في العامية المصرية على الخيبة الكبرى)، وهي المستمرة إلى الآن. والتي عملت فيها على تقنين اخضاع الفلسطينيين وإضفاء الشرعية على الاراضي التي احتلتها في عام 67.

خلال الخمس عشرة سنة الاخيرة تحركت “إسرائيل” على أربعة مستويات. الاول، استمرار التفاوض مع قيادة السلطة الفلسطينية لكسب الوقت والحصول على المزيد من التنازلات  الثاني، تدمير المقاومة الفلسطينية من خلال التصفية الجسدية والاجتياحات  الثالث، التمدد على الأرض من خلال الاستيطان واقامة السور الذي ابتلع المزيد من الأراضي  الرابع، اختراق العالم العربي من خلال التطبيع المعلن وغير المعلن.

طوال الخمس عشرة سنة هذه تعددت المشاريع والمبادرات والخطط التي طرحت لتسوية الموقف والبحث عن حل “نهائي” للقضايا العالقة بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين”، وكانت آخرها “خريطة الطريق” التي طرحتها الادارة الأمريكية في عام 2003 ورؤية بوش (2004) التي تبنت فكرة اقامة الدولتين الفلسطينية إلى جانب “الإسرائيلية”، وتحددت نهاية العام الحالي (2008) موعدا لاقامة الدولة الفلسطينية.

خلال الفترة ذاتها حدثت ثلاثة تطورات مهمة في الساحة العربية. أولها، الاعلان الرسمي عن اعتبار السلام خيارا استراتيجيا للعرب في تعاملهم مع “إسرائيل”  خياراً وحيداً ان شئت الدقة  وثانيها، اعلان المبادرة العربية في قمة بيروت (2002) التي عرض فيها القادة العرب الاعتراف والتطبيع الكامل مع “إسرائيل” في مقابل انسحابها من الاراضي التي احتلتها في عام 67  ثالثها، إعادة اصطفاف الدول العربية وانقسامها إلى اقطار معتدلة وأخرى متطرفة. الاولى تعتبر ان إيران هو العدو وليس “إسرائيل”، والثانية على العكس ترى في “إسرائيل” العدو الحقيقي وليس إيران. ولأن الدول الأولى هي الأكبر عدداً والأقرب إلى الولايات المتحدة و”إسرائيل”، فإن ذلك أدى إلى تهميش القضية الفلسطينية وتراجع أولويتها عربياً.

(3)

الموقف العربي أدى إلى طمأنة “إسرائيل” استراتيجياً، إذ لم يعد يقلقها في العالم العربي سوى حزب الله والموقف السوري الممانع (حتى الآن) والمستضيف لقيادات المقاومة. فحكاية السلام كخيار استراتيجي أراحتها كثيراً، ورفضها للمبادرة العربية لم يغضب الدول التي تبنتها، وحين انطلت على العرب حكاية الدول المعتدلة والمتطرفة فإن ذلك بعث اليها برسالة تقول، إن بعض العواصم العربية لم تعد ترى في “إسرائيل” الخطر الأول.

وعندما انضاف إلى ما سبق انقسام الصف الفلسطيني بين فتح وحماس، فإن ذلك وفّر لها فرصة لا تعوض سواء مماطلة الطرف الفلسطيني المفاوض لها، الذي صار أضعف ولم يعد يمثل إجماعاً فلسطينياً، أو للاستفراد بعناصر المقاومة في غزة ومحاولة تدميرها من خلال الحصار والاجتياحات والغارات المستمرة.

ولأنها كانت مطمئنة أيضاً إلى ان الادارة الأمريكية مؤيدة لها على طول الخط، فإن مجمل هذه العوامل شجعها على التمادي في المراوغة والتشدد. إذ بعد اكثر من 20 اجتماعاً بين أبو مازن وأولمرت. وأكثر من 50 لقاء بين أبو قريع رئيس الفريق الفلسطيني المفاوض وبين تسيبي ليفني وزيرة الخارجية “الإسرائيلية”، وبعد 15 زيارة قامت بها كوندوليزا رايس للمنطقة بهدف تحريك مفاوضات السلام، كان العرض “الإسرائيلي” للحل النهائي كالتالي:

 (منطقة القدس الكبرى)، مستثناة من التفاوض، وهي جزء من دولة “إسرائيل” تم ضمه اليها عام ،1967 وهي تمتد من أطراف رام الله إلى اطراف مدينة بيت لحم.

 (منطقة الحوض المقدس)، التي تشمل البلدة القديمة في القدس، وحي سلوان، تكون السيادة عليها “إسرائيلية”، مع ادارة فلسطينية أو إسلامية للمسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية.

 (الكتل الاستيطانية) في الضفة الغربية، يتم ضمها كلها إلى “إسرائيل”. ويحق لهذه الكتل أن تتوسع أفقياً لتحقيق التواصل الجغرافي فيما بينها، أما الاراضي الفلسطينية المقطعة فمسموح لها فقط أن تتواصل من خلال الجسور والأنفاق.

 (منطقة غور نهر الأردن)، تبقى تحت السيطرة “الإسرائيلية” مع مستوطناتها، وهي تشمل منطقة واسعة بعمق 17 كلم تمتد من نهر الاردن إلى اطراف منطقة طوباس.

 (قضية اللاجئين)، ترفض حكومة أولمرت عودة أي لاجئ فلسطيني إلى دولة “إسرائيل”، وتوافق على لمّ شمل لعشرة آلاف شخص فقط.

هذه المقترحات الصادمة أعدها مكتب أولمرت وابلغت إلى أبو مازن، كما عرضتها تسيبي ليفني على أحمد قريع ولخصتها بثلاث نقاط: سيطرة “إسرائيل” على الكتل الاستيطانية، وسيطرة “إسرائيل” على منطقة القدس، وسيطرة “إسرائيل” على غور الأردن.

(4)

هذه النقاط الخمس نقلتها عن مقال كتبه بلال الحسن الصحافي والسياسي الفلسطيني البارز في جريدة “الشرق الاوسط” في 4/5 الحالي، ليس فقط ثقة في اطلاعه ومصادره، ولكن أيضاً لأنها تعبر بدقة عن المضمون الذي خلص إليه اثنان من الباحثين “الإسرائيليين” المهمين في كتابين صدرا هذا العام، وعرضها هنري سيجمان وهو باحث يهودي محترم في عدد 10 إبريل/نيسان من مجلة “لندن ريفيو اوف بوكس”، وقد أشرت إلى هذين الكتابين في مقام آخر. والكتابان هما  “امبراطورية الصدفة” لمؤلفه جيرشوم جورنبرج و”اسياد البلاد” لمؤلفته ايديث زرتال. والكتابان يقولان بصراحة إن “إسرائيل” لم تكن جادة في أي وقت في مناقشتها لموضوع الدولة الفلسطينية المجاورة، لكنها عملت طول الوقت على استحالة قيام تلك الدولة من الناحية الجغرافية، عن طريق تكثيف اقامة المستوطنات في الضفة، ليصبح نهر الاردن هو الحد الشرقي لها. وغاية ما تقبل به في ظل الخلل الحالي في موازين القوة هو اقامة حكم ذاتي فلسطيني تحت السيطرة الاستراتيجية “الإسرائيلية” الكاملة.

الاحباط الذي عبر عنه أبومازن أكثر من مرة في الآونة الأخيرة يدل على أن الرجل أدرك في نهاية المطاف أن “إسرائيل” لن تقدم له شيئاً يحفظ ماء الوجه. فإذا لم يستطع أن يطلق أسيراً فلسطينياً واحداً ولم ينجح في إزالة شيء من ال600 حاجز التي وضعتها “إسرائيل” لتعذيب الفلسطينيين وشلّ حركتهم، وفشل في ان يوقف غول الاستيطان الزاحف، فلن يكون بوسعه أن ينجز شيئاً مما وعد به في موضوع الدولة التي عاصمتها القدس. وبعد أن تواترت التصريحات والتعليقات الفلسطينية التي تحدثت عن الفشل تلو الفشل في المفاوضات، وجدنا المتحدث باسم الرئاسة نبيل أبوردينة يصرح لصحيفة  “الأيام” الفلسطينية في 6 مايو/أيار الحالي بأن أبو مازن سوف يضطر لاتخاذ “قرارات دراماتيكية” اذا لم يستطع التوصل إلى اتفاق مع “الإسرائيليين” في المفاوضات الجارية.

ليس معروفاً على وجه الدقة ما هي طبيعة هذه الاجراءات لكن القرائن التي بين أيدينا تدل على أن أبومازن وصل إلى “نهاية الطريق” في سيره وراء خريطة الطريق. وان المفاوضات صارت عبئاً على القضية وليس عوناً أو حلاً لها، وان التقدم نحو حل الدولتين لم يحقق أي خطوة إلى الامام خلال الخمس عشرة سنة التي حلت فيها “الوكسة”.

الدكتور علي الجرباوي لا يرى مخرجاً من المأزق إلا باعلان حل السلطة الفلسطينية والعودة إلى الاحتلال “الإسرائيلي” مرة ثانية، واحتشاد الجميع وراء النضال لإقامة الدولة الواحدة. وقد أخبرني ان استطلاعاً أجري مؤخراً في الأرض المحتلة بين أن 30% من الفلسطينيين يؤيدون هذا الحل، الذي يبدو ان أنصاره يتزايدون بين المثقفين الفلسطينيين الذين يقف الدكتور عزمي بشارة في مقدمتهم. وكان أحدثهم الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي الذي كتب مقالاً قبل أيام دعا فيه إلى التفكير في حل السلطة (الحياة اللندنية 5/5)  ان وصول الجميع إلى نهاية الطريق يتطلب إعادة التفكير بصورة جذرية في البدائل المتاحة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فلسطينيات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر