عولمة الخوف وعوربة الحصار لخيري منصور

كتبهاهيثم ناصر ، في 29 أغسطس 2008 الساعة: 07:33 ص

لأن مفهوم الحرية تدنى فأصبح كسرة خبز قد تكون منقعة في ماء الوجه أو دم البنين، فإن الحصار أيضاً اختزله إخصائيو جراحة التقبيح لا التجميل بحيث أصبح مادياً وملموساً باليد المجردة، والقول إن غزة محاصرة قد يوهم الناس بأن ما عداها هو خارج الحصار، سواء كان داخل فلسطين المحتلة من النهر إلى البحر المذبوحة من الوريد إلى الوريد، أو على امتداد العالم العربي. وبمقياس آخر غير هذا المعتمد إعلامياً ورسمياً، فإن العرب كلهم محاصرون، وقد يكون كوكبنا برمته أيضاً داخل الحصار وما نحتاج إليه لفهم هذا هو ببساطة إعادة تعريف المفاهيم، التي أصبحت ذات بعد واحد، فالحرية ليست وقفاً على حق الإنسان في التجول أو السفر، فقد يكون الحبل الذي يربطه طوله عدة أميال، وهناك لحظة حاسمة يشد فيها الحبل فيتذكر الحر أن حريته ناقصة.

والحصار ليس مجرد تجويع أو إقامة حواجز وجدران عازلة في الطرق، فالإنسان الذي لا يعبر عما يدور في رأسه محاصر، والفرد الذي يشذ عن القطيع ويوصف بأنه عنزة سوداء أو بعير أجرب محاصر، والمرأة التي تدرك حقوقها ولا تقوى على المطالبة بالحد الأدنى منها محاصرة.

ولو شئنا الذهاب إلى ما هو أبعد، فإن مفهوم الاحتلال ذاته تعرض لاختزال أيضاً، وقد تكون قارة بسكانها محتلة لكنها آخر من يعلم بذلك. وليس تشاؤماً القول إن الوطن العربي الآن يراوح بين حصار واحتلال لكن بدرجات متفاوتة، وهي قابلة للاندفاع حتى أقصاها عندما تأزف اللحظة المناسبة.

إن من حذفوا مصطلح السيادة من قواميس علم السياسة، يحذفون الآن ما يسمى الحدود الإقليمية، فالفضاء منتهك وكذلك الماء، ولدى القراصنة الجدد أساليب ماهرة في عبور الحدود والفضاءات واختراق الهويات والهواء معاً، لكن الثقافة التي يراد لها أن تكون جرعات متصاعدة من التخدير توهم الناس بأنه لم يعد بالإمكان أفضل مما كان، وعليهم أن يتأقلموا مع كل طارئ كي يستطيعوا مواصلة العيش.

وثمة فارق أكثر من لغوي بين الحياة والعيش، لهذا تساءل الشاعر الإنجليزي اليوت ذات زمن صعب ومر: أين هي الحياة التي أضعناها في العيش؟ فالعيش هو الضرورة وتلبية الغرائز، أما الحياة فهي الحرية وتصعيد العواطف والغرائز كي يتخطى الإنسان الشروط التي تحاصره جسداً ووعياً ومن كل الجهات.

نحن جميعاً محاصرون. لهذا لا نستطيع أن نقدم عوناً ذا شأن لمن يستغيثون بنا وهم يعيشون داخل زنزانة بسعة وطن، وعبدالمعين يبحث عمن يعينه كما يقول المثل العربي الذي أفرزه زمن غاشم قد يكون الجذر الذي نبت عليه هذا الزمن. وحبذا لو يقرأ الناس ذلك الكتاب المكروه وشبه المحظور الذي ألفه ويلهالم رايتس بعنوان “رسائل إلى الإنسان الصغير”، والإنسان الصغير هو هذا الذي تم استيلاده بل استنساخه في أنابيب العولمة.

خيري منصور الخليج


أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر