تغريد خارج السرب
كتبهاهيثم ناصر ، في 29 أغسطس 2008 الساعة: 07:29 ص
(1)
فى حين يحظى مسلسل نور التلفزيوني التركي بمتابعة غير عادية فى أنحاء العالم العربي، أزعم أنها أحدثت انقلابا فى رؤية العرب لتركيا، فان المراصد السياسية باتت مشدودة إلى الدور التركي الصاعد الذي يتحرك بجدية على مستويات عدة، من القمة التركية الأفريقية، إلى استقبال الرئيس الايرانى أحمدي نجاد فى اسطنبول و قبله استقبال الرئيس السوري بشار الأسد، و زيارة أردوغان لبغداد، و دخوله على الخط بين روسيا وجورجيا، و تحركه لتطبيع العلاقات مع خصومه التاريخيين فى أرمينيا و اليونان، و توسط حكومته بين سوريا و إسرائيل. كل ذلك خلال الأشهر القليلة الماضية.
فى وقت متزامن، كانت إيران تطور علاقاتها مع روسيا باتفاق على التعاون فى مجال الفضاء بعدما قطعت شوطا فى تعاونها معها فى بناء مفاعلها النووي فى بوشهر. وتمد جسوراَ مع الجزائر أثناء زيارة الرئيس بوتفليقة لطهران، و تستقبل رئيس الوزراء العراقي نورى المالكي. وأثارت الانتباه فى هذا السياق، الزيارة التي قام بها الرئيس أحمدي نجاد لاسطنبول، والتي غادرها متجها إلى دمشق. ثم زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة راعي اتفاق الفصائل اللبنانية فى الدولة لطهران.
هذا القدر المعلن من الاتصالات دفع بعض المحللين إلى الحديث عن ظهور نظام إقليمي جديد فى المنطقة، تلعب فيه إيران و تركيا الدور الأساسي، كما دفعتهم إلى مقارنة هذه التحركات بالسكون المخيم على العالم العربي، و استغراقه إما فى الخلافات بين دوله أو فى مشاكلها الداخلية، التي استصحبت حالة من الانكفاء القطري أذهلت العواصم على يجرى فى الساحتين الإقليمية والدولية.
(2)
ما هو جديد فى هذه التحركات أنها تتم بين دول لها مشاكلها و مراراتها فيما بينها، لكنها انطلقت من رؤية إستراتيجية تجاوزت بها عقد الحاضر فضلا عن أوزار التاريخ. إن شئت فقل إن هذه الدول طوت صفحة التاريخ و استعلت فوق المشاكل الأدنى لكي تحقق المصالح العليا.
فتركيا وإيران على طرف نقيض على صعيد التحالفات السياسية. فالأولى لها ارتباطاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، و هما الخصمان اللدودان لإيران- و ممثلو النظام الاسلامى فى طهران يرفضون فى زياراتهم الرسمية زيارة قبر أتاتورك مؤسس الجمهورية العلمانية فى تركيا كما يقضى البروتوكول. ولذلك فان زيارة أحمدي نجاد و لقاءاته تمت فى اسطنبول وكان الأتراك هم الذين رتبوا العملية، و لم يعتبروا ذلك إهانة لمؤسسة الجمهورية، لان هناك مصالح أكبر من البروتوكول . وفى الذاكرة التركية أن إيران أقامت علاقة مع حزب العمل الكردستاني فى التسعينيات للضغط على أنقرة. كما أن الصراع المرير بين الدولتين الصفوية والعثمانية لا يزال له مكانة فى ذاكرة الأتراك، وفى الوقت ذاته فان أنقرة قلقة من التمدد الايرانى فى العراق، و تعتبره إخلالا بالتوازن المفترض بين قوى الجناح الشرقي للمنطقة.
و تركيا التي تتمتع الآن بعلاقات ممتازة مع سوريا حتى تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 900 مليون دولار سنة 2007- و هو يزيد على أربعة أضعاف التبادل التجاري بين تركيا ومصر (200 مليون)-كانت على وشك الدخول فى حرب مع سوريا و هددت بغزو دمشق عام 1998، بسبب دعمها لحزب العمال الكردستاني وإيواء زعيمه عبد الله أوجلان. و بين البلدين تاريخ مسكون بالعداء و التوتر، منذ عام 1939، عشية الحرب العالمية الثانية حين اقتطعت فرنسا لواء الاسكندرون من سوريا و منحته لتركيا. وبعد ذلك حين أقامت تركيا مجموعة من السدود التي أثرت على حصة سوريا من المياه. ذلك غير اعتراف طهران بإسرائيل فى وقت مبكر (عام 1948) الأمر الذي صنفها ضمن المعسكر المعادى لسوريا. وهو ما تغير الآن 180 درجة، بحيث أصبحت أنقرة وسيطا فى المحادثات بين سوريا وإسرائيل.
(3)
ليست هذه معلومات مما نطالعه فى الصحف و نحن نتثاءب، ثم نتحول عنها لنتسلى بأخبار العالم الأخرى. لان هذه التحركات تتم فى شمال العالم العربي وشرقه، وبالتالي فإنها تدخل بامتياز فى إطار منظومة الأمن العربي التي أصبح وجودها محل تساؤل و شك، فى ظل غياب الرؤية الإستراتيجية لمصالح المنطقة، على النحو الذي سبقت الإشارة إليه. وللأسف فان ذلك الغياب سمح بإطلاق العنان لإسرائيل لكي تتمدد و تعبث و جنوب العالم العربي ما بين وادي النيل والبحر الأحمر.
إن تركيا وإيران مع العالم العربي (مصر بوجه خاص) يشكلون مثلث القوة فى منطقة الشرق الأوسط، الذي تحدث عنه الدكتور جمال حمدان، عالم الجغرافيا السياسية المرموق، فى كتابه إستراتيجية الاستعمار و التحرير. و لان الأمر كذلك فإننا نخطئ كثيرا حين نعتبر تركيا و إيران مجرد جيران فرضتهما ظروف الجغرافيا، و تشاركنا معهما فى التاريخ زمنا، ثم ذهب كل إلى حال سبيله بعد ذلك، ذلك أن الدولة العباسية التي ورثت الخلافة الأموية قامت على أكتاف العناصر الفارسية، وفى زمانها تأسست أعظم المراكز الحضارية الإسلامية على قاعدة التفاعل بين الفرس و العرب، وبعد أقل من قرنين أصبحت العناصر التركية تلعب دورا بارزا فى تاريخ المنطقة خصوصا تحت مظلة الدولة العثمانية. ولكن دار الإسلام المشرقية انقسمت منذ القرن السادس عشر بين الصفويين فى إيران و العثمانيين فى تركيا. وقدر لذلك الفصام النكد أن يمهد لتجزئة المشرق إلى أقطار شتى فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، حين اتفق المنتصرون فى الحرب على تمزيق المنطقة وتقطيع أوصالها فى ظل اتفاقية سايكس بيكو (عام 1916).
لم يبق من ذلك التاريخ الذي تراجع فى الواقع و حفظته الكتب، سوى رابطة العقيدة، و بعض آثار التداخل بين الشعوب التي تمثلت فى انتشار الحرف العربي فى إيران و تركيا (كما أتاتورك استبدله بالحروف اللاتينية فى العشرينيات) و فى تسرب الكلمات العربية إلى اللغات المحلية باعتبارها مفردات لغة القرآن، حتى أصبحت تمثل 40% على الأقل من مفردات اللغتين الفارسية و التركية. كما انتشرت الكلمات الفارسية و التركية فى المجتمعات العربية التي عرفت الكباب و الكفتة و المسقعة و الكشك والكحك والبقلاوة والخشاف والشوربة والطرشى و البقسماط والسميط، وهي كلمات فارسية و تركية. وتداولت ألسنة الناس كلمات فارسية أخرى مثل البيجامة والدوبارة و الفوطة والبرواز والجنزير والدبوس والدورق والشمعدان والكراسة و الشاكوش والكباية والكنكة والكوز والدرابزين.. ولا يزال الكثير من الأسماء الشائعة ورتب العساكر محتفظة بأصولها التركية مثل نشأت وعصمت ودولت وعفت وعزت، ومثل أومباشى وشاويش ويوزباشي وبكباشي وكراكون وياور وباشا. كما أننا مازلنا نتداول فى بيوتنا كلمات تركية مثل الاودة و السفرة و البطانية و الشنطة و الشراب و الجزمة- و نينة و أبيه و أبله (الأخ و الأخت الكبيران). ولأساتذة اللغات الشرقية المصريين جهد طيب فى هذا المجال استفدت منه، خصوصا أبحاث الدكتور حسين مجيب المصري والدكتور محمد نور الدين عبد المنعم و الدكتورة ماجدة مخلوف.
هذه البصمات الباهتة للتاريخ لا تكاد تقارن بالحضور القوى لحقائق الجغرافيا، التي لم تتغير بفعل الزمن، و إنما أصبحت أكثر رسوخا وأهمية.
(4)
لا يزال العرب والإيرانيون والأتراك يمثلون كتلة جغرافية متماسكة، تقع فى خاصرة العالم وتمثل شريحة أفقية تمتد من المغرب فى أقصى الغرب حتى مشهد فى إيران شرقا. ومن تركيا فى الشمال و حتى اليمن فى الجنوب. وهى فى موقعها المتمدد فى أفريقيا وآسيا و جزء من أوروبا، تسيطر على أخطر الممرات البحرية فى العالم، مضائق هرمز و باب المندب و البوسفور و الدردانيل و قناة السويس. كما أنها تملك أكبر احتياطي عالمي فى النفط، إلى جانب احتياطات هائلة من الغاز تكاد تحتل المرتبة الأولى فى العالم. وتمر عبرها شبكة أنابيب النفط والغاز الذي يغذى العالم الصناعي بأسره. ولا يزال القاسم المشترك الأعظم بين شعوب المنطقة أنها فى أغلبيتها الساحقة يشدها رابط العقيدة الإسلامية.
هذه الخلفية التي توفر فرصة ممتازة لإقامة كتلة بشرية حية تغنى حاضر الأمة و مستقبلها لا تبدو حاضرة فى الإستراتيجية العربية ، و فى غياب تلك الإستراتيجية فقد العالم العربي بوصلته الهادية. و لم يكن مفاجئا بعد ذلك أن يضل طريقه و تتخبط مسيرته، فيتمزق صفه تارة و لا يعرف حلفاءه من أعدائه تارة أخرى، و أن يستدرج للانخراط فى مخططات الآخرين و استراتيجياتهم فى حين ثالثة، الأمر الذي فرض على الواقع العربي مجموعة من المفارقات بينها ما يلي:
• إن العلاقات الأمريكية العربية أصبحت أوثق و أمتن من العلاقات العربية العربية.
• إن الولايات المتحدة أصبحت لها كلمة فى خرائط المنطقة، و فرت لها فرصة تقسيمها إلى معتدلين و متطرفين، بل و فرت لها جرأة التدخل فى صياغة أوضاعها الاقتصادية و الثقافية، إضافة إلى سياساتها الخارجية.
• إن بعض الدول العربية تصالحت مع إسرائيل فى حين خاصمت دولا عربية أخرى، كما خاصمت إيران.
• إن البعض أصبح يرى أن إيران هي العدو الأول للعرب و ليس إسرائيل.
• إن إسرائيل أصبحت لاعبا مهما فى تركيا و إيران (قبل الثورة) فى حين ظل العالم العربي غائبا عن البلدين الجارين.
• إن إسرائيل أصبحت تمثل فى بعض الاجتماعات الأمنية المهمة التي تعقدها دول ما سمى بمعسكر الاعتدال العربي، فى حين استهجن بعض العرب حضور إيران اجتماع مجلس التعاون الخليجي، واستنكر آخرون طلب تركيا الانضمام كمراقب إلى الجامعة العربية.
• إن بعض المثقفين المنتسبين إلى التفكير الاستراتجي اسقطوا تركيا وإيران من دوائر الانتماء الثقافي والحضاري، و تحدثوا عن إضافة الدائرة الأمريكية كمجال لحركة مصر و العالم العربي.
فهمي هويدي جريدة الشرق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصاصات | السمات:قصاصات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























